تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٤٩ - مكاشفة اخرى مظاهر الرحمة و الغضب
و إنّما أنت مثل الصبيّ الذي ينظر ليلا إلى لعب المشعبذ الذي يخرج صورا من وراء حجاب يرقّص و يزعق و يقوم و يقعد فيتعجّب لظنّه إنّ هذه الأفعال إنّما يصدر من تلك الصور و لم يعلم إنّها لا تتحرّك بأنفسها و إنّما يتحركها خيوط شعريّة دقيقة لا يظهر في ظلام الليل، و رءوسها في يد المشعبذ و هو محتجب عن الصبيان فيفرحون و يتعجّبون.
و أما العقلاء فإنّهم يعلمون إنّ ذلك يحرّك و ليس يتحرّك و لكنّهم ربما لم يعلموا تفصيله و الذي يعلم بعض تفصيله لا يعلمه كما يعلم المشعبذ الذي الأمر إليه و الجاذبة بيديه. فكذلك صبيان الدنيا، و الخلق كلّهم صبيان إلّا العلماء إلّا إنّهم لا يعرفون كيفيّة التحريك و هم الأكثرون إلّا الراسخون في العلم، فإنّهم أدركوا بحدّة أبصارهم خيوطا و رباطات دقيقة معلقة من السماء متشبّثة الاطراف بأشخاص أهل الأرض لا تدرك تلك الخيوط لدقّتها بهذه الأنظار الظاهرة، ثمّ شاهدوا رؤوس تلك الخيوط في مناطات لها هي معلّقة منها و لها أيضا مقابض و عرى هي في أيدي الملائكة المحرّكين للسموات، و شاهدوا أبصار ملائكة السموات مصروفة إلى حملة العرش ينتظرون منهم ما ينزل إليهم من الأمر من حضرة الربوبيّة كي لا يعصون اللّه ما أمرهم و يفعلون [ما يؤمرون].
و عبّر عن هذه المكاشفات في القرآن: وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ [٥١/ ٢٢] و عبّر عن انتظار الملائكة لما نزل إليهم من الأمر و القدرة بقوله تعالى:
خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً [٦٥/ ١٢].
مكاشفة اخرى [مظاهر الرحمة و الغضب]
إنّ للّه مع تقدّس ذاته و تنزّه صفاته عن الأجزاء و الأعضاء، يدين مقدّستين كلتاهما يمين ١٧٥ اللّه و هما في الأفعال العالية بإزاء الصفتين المتقابلتين كالرحمة و الغضب و الرضاء